عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

166

معارج التفكر ودقائق التدبر

سبق بيان هذه القضيّة في الآية ( 12 ) من سورة ( لقمان / 57 نزول ) وجاء تأكيدها في آية هذا الدّرس لأنّ معظم النّاس يتوهّمون أنّ للمعبود مصلحة خاصّة من عبادة عابديه له وإيمانهم به ، وتكثير جماعة المؤمنين المسلمين ، فكان بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ غنيّ عن إيمان الناس به يحتاج توكيدا ، فجاء هنا في موجزات هذه السّورة خطاب اللّه للنّاس بقوله لهم : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ . أي : إنّ إيمانكم أيّها النّاس باللّه ربّكم ، وطاعتكم له ، والتّقرّب إليه بما يرضيه من عبادات ، لا يزيد في ملكه شيئا . وإن تكفروا وتجحدوا صفاته ، وتجحدوا نعمه عليكم ، وتعصوه دواما ، فإنّكم لا تنقصون من ملكه شيئا ، فاعلموا أنّ اللّه غنيّ عنكم لذاته ولصفاته . ويلزم عن هذه الحقيقة ، أنّ إيمان من آمن ، وطاعة من أطاع ، وعبادات من يستزيد من قرباته لمرضاة ربّه ، كلّ ذلك لمصلحة نفسه ، إذ ينال به عند ربّه ثوابا جزيلا وسعادة أبديّة ، في حياة الجزاء ، بعد أن أنهى بأعماله الصّالحة حياة الابتلاء . ويلزم عنها أيضا أنّ كفر من كفر ، ومعصية من عصى ، وطغيان من طغى ، وفجور من فجر ، كلّ ذلك ضدّ مصلحة نفسه ، وظلم لها ، إذ يكون له به عند ربّه جزاء عقابيّ بالعدل ، وشقاء أبديّ في حياة الجزاء ، بعد أن أنهى بجرائمه وأعماله السّيّئة حياة الابتلاء . كيف لا يكون اللّه غنيّا عن عباده ، وهو القادر على أن يخلق ما يشاء ، ويفعل ما يشاء ؟ . القضيّة الثانية : دلّ عليها قول اللّه تعالى : . . وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ . . : إنّ اللّه عزّ وجلّ هو الكمال المطلق في ذاته وفي صفاته ، فهو تبارك وتعالى بكمال صفاته يكره الكفر والفسوق والعصيان ، والجحود والظّلم